طرد للإغراء:
بعد أن تخرج من كلية الآدب وجال وصال بين ميادين العمل و لم يظفر من سفره هذا بين المؤسسات إلا ببطالة جعلت منه متخرجا كره الدراسة وما يجنيه منها متخرج عديم الوساطة في زمان الرشوة والتدخلات... و لما كان هذا مآله، إذ لم يستطع سلوك أي سبيل لتحقيق أمنيته التي كانت هي كسب المال للعيش المترف بين احضان جميلات ينسينه قساوة فقر مدقع قد تربى فيه وبطالة تطعمه اليوم خيبة هي أشد قساوة عليه من فقر صغره، فكر في الولوج الى عالم الانترنت لنسيان كل هذه المعوقات. دخله لصرف ما زاد من وقته عما كان ينفقه بين آهات طويلة و أفكار غير مجدية كانت بالنسبة له كمن يمتطي صهوة جواد من خشب يحلم أنه سيوصله لما هو راغب اليه. وكم كان عنده الكثير من هذا الوقت. دخل الأنترنت للتسلي و الاتصال بفتيات المرح للتخفيف من همومه... بعد فتح صفحة للفيسبوك ودعوة الكثير من هؤلاء الفتيات وجد ضالته بينهم بل وجد فيهم ما يروي به عطشه وخاصة المادي منه. وجد هناك منجما من المغفلات يترقب المغامرين أمثاله لاستخراج كنوزه. وجد ما به لبى رغبته وبخاصة أنه شاب قد كسب من محنة زمنه شيطنة جامعة مانعة، قد تكون له عوناه لاستخفاف عقول الكثيرات منهن...
دخل أول الأمر في حوار مع فتاة أوهمها أنه يعمل بكندا وأنه مهندس في الإعلاميات. أعجبها بمعسول كلامه فباحت له بأسرار جعلته يفكر في اخبارها بأنه ينوي طلب يدها من ابويها. وهذا تمويه فقط أراد منه السعة لتحويلها الى صلصال يستطيع تشكيله بيده كيف يشاء. طلب رفضته في أول ألأمر معللة رفضها بأنها فتاة شريفة و لا تريد الدخول للزواج من باب الأنترنت... استمر في حثها على قبول طلبه، وبعد حوارات معسولة لوى دراع شرفها بالإغراء. أخبرها بأنه أحبها لهذا الشرف الذي يراه ميزة عندها قلت عند الكثير من الفتيات التي عرفهن. أكد لها بأن هذا هو الدافع لتشبته بها. قالت له:
- أنا شابة ملتزمة ولا أريد التعلق بشاب عنده عقلية أكثر شباب الانترنت الذي همهم هو الاستخفاف بعقول الفتيات و ابتزازهم. فند كلامه قائلا:
- يا سيدتي كوني واثقة بأنك بين يدي رجل صادق ولما أرجع من الخارج سيكون أول اهتمامي هو طلب يدك من أبويك. ولكي يبرز لها صدق عزيمته قال لها:
- سأبعث لك هدية قبل مجيئي للبلد وستكون هدية ثمينة تستحقينها. كانت الفتاة في غفلتها و غير مكتملة النضج. وكان طبيعيا أن تحلم معه وبكلامه المعسول ما حلمت به كل فتاة قبل زواجها. طالما سمعت منه انه بمكنه ان يغري الكثير من الفتيات لكنه يحبها هي، ففرحت بهذا الكلام الذي جعلها تبتلع الطعم وتستجيب لرغبته. كان يقول لها أنه من طينة نقية وأنه يمكنه اغراء الكثيرات ولكن مذهبه هو أن الرجل ليس هو ذاك الذي يستطيع اغراء عدة نساء ولكن الرجل الحق هو ذاك الذي يتمكن من اغراء نفس المرأة، التي أحبها، اكثر من، فهو من هذا النوع. قيدتها به ثقة عمياء فوقعت في شركه. ومما زاد طينها بلة أنه وصف لها الهدية التي سيقدمها لها كعربون لعشقه لها... أخبرها بأنها ستتلقى علبة بها سلسلة ذهبية وقرطين و حقيبة يد "شانيل "Chanel مصنوعة من جلد التمساح وشيء آخر أجمل لن يحدثها عنه حتى تستكشفه بنفسها.
سافرت الى البادية مع والديها فلم تتصل بفارسها المغوار على الفيسبوك لسبب عدم وجود ربط بشبكة الانترنت... وهي في هذه السفرية توصلت بمكالمة هاتفية تخبرها أن بالجمارك علبة مؤمنة يجب أن تحضر لتسليمها. هاتفتها امرأة وأخبرتها أن تحضر معها ستة آلاف درهم لتأدية واجب الجمارك. تعجبت للأمر، إذ لم يخبرها صديقها بأنها ستدفع هذا المبلغ الكبير لاستلام تلك العلبة. هاتفت صديقها وأخبرته بأنهم اخبروها من إدارة البريد بدفع ستة آلاف درهم. أجابها بأنه لا يعرف قانون الجمارك وحتى إن كان فعليها الدفع لأن ما بالعلبة هو أكثر من هذا المبلغ بكثير. هاتفت السيدة التي أخبرتها بالأمر وقالت لها بأنها مسافرة ولن تحضر إلا بعد عدة أيام. كان جواب السيدة أن مدة الاحتفاظ بمكتب الجمارك لمثل هذه الاشياء الثمينة هو يوم واحد فقط وإن لم تحضر فسيرجعون العلبة لباعثها. ثم أردفت المرأة قائلة:
- سأسهل عليك الأمر. ارسلي فقط المبلغ لهذا العنوان وأنا سأبعث اليك العلبة في المكان التي انت فيه الآن. قبلت الفتاة وارسلت المبلغ للعنوان التي أعطتها المرأة. انتظرت يومين ثم هاتفت المرسلة فأجابتها:
- سيدتي إن الأمر خطير فقد عرف أن بالعلبة أشياء أخرى وأنها ستصادر بما فيها ولكن لا تقلقي فيمكنني أن أجنبك هذه الخسارة إن أنت استطعت أن ترسلي لي بسرعة عشرين الف درهم قبل الغد لاسكات المسؤول على مثل هذه الطرود. أجابتها الفتاة:
- وأين يمكنني أن أجد مبلغا كهذا في يوم واحد؟ قالت المرأة:
- إذن مع السلامة. لم تعد تستحمل الفتاة ثقل ما فرض عليها فأخدت هاتفها و أخبرت صديقها بالأمر وهي خائفة أن يكون بالعلبة ما لا تحمد عقباه. طمأنها بأن ليس بالعلبة ما يخيفها وشجعها على أن لا تضيع الفرصة وإن استطاعت أن تستلف المبلغ فلتفعل. فما بالعلبة سيمكنها من ارجاع العشرين ألف درهم ويبقى لها الكثير. خافت الفتاة أن تقع في شر لا تقدر عليه ثم ليس لها من اين تستلف هذا المبلغ. أخبرت حينها أمها بالأمر والذي أخبرت هي بدورها الأب. هاتفت الفتاة المرأة بأنها ستدفع المبلغ ولكن بعد تسليم العلبة. قبلت المرأة الشرط، وقالت لها سترسل العلبة في البريد المضمون وستتوسل هي برسالة تخبرها بيوم التسليم. وهكذا كان. ذهبت الفتاة وأبوها الى دائرة البريد فوجدا فعلا العلبة باسم الفتاة. أديا الواجب وسلمت لهما العلبة.
في المنزل فتحت البنت العلبة فوجدتها مملوءة تبنا ولا شيء فيها غير التبن. هاتفت المرأة فلا رد. وهاتفت الرجل فلا رد. فكأنهما باتا وما أصبحا... فكان من الواجب اخبار أولي الأمر بما وقع. قدم الأب دعوة عند الشرطة ضد مجهول وابتلعت الفتاة نواة ثمرة غفلتها و ثقتها بمجهول.
احمد علي صدقي/المغرب

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق