بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 23 يناير 2024

سردية & محاكمة & للأديب المبدع القاص ذ . عبد العزيز الحساني

 


محاكمة ...

المدعي : النهار

المدعى عليه : الليل

وقف الجميع عند سماع كلمة (محكمة)

دخل القضاء الجالس والواقف، فجلس الجميع بما في ذلك هيئة الدفاع.

نودي على المدعي فمثل أمام هيئة القضاء .

فقيل له : إرفع يدك اليمنى وأدي اليمين ، فقال ما شاء الله أن يقول ...

ونودي على المدعى عليه، وقال مثل ما قيل .

نودي على محامي الدفاع، فوقف منتصبا ثم جلس.

ونودي على محامي الخصم، فرفع يده بعدما وقف وجلس

فأعلن قاضي الوسط إنطلاق الجلسة.

فقال النهار : سيدي القاضي أنا مظلوم فانتصر، وهذا من محكمتكم الموقرة ما أنتظر ...

سيدي القاضي إن النهار جاري، وكنا نعيش في سلم وأمان

عندما يغيب أرعى رعيته ، وأصون وده.

ولا أنكر أنه يفعل مثل ما أفعل، ولم يكن لي شك في ذلك

كان هذا في سنين مضت وخلت.

لكن شبانا من رعيته بدؤوا يتطاولون ن على حرمتي، ويغتصبون أرضي ، ويأكلون محصولي ظلما وعدوانا.

وأنا أسامح، وأقول ربما يعدلون عن أفعالهم .

لكنهم تمادوا في إستغلال حقي ، وما زاد في الأمر أمرا هو مباركة ذويهم لأفعالهم، بل شاركوهم فيها  وحدوا حدوهم

ولم يعد الإعتداء مقتصرا على الشباب، بل تعداه إلى الأباء والأمهات، وأصبحوا شركاء في الفعل.

فقال القاضي للمدعي :

أفصح لنا عن حجم الضرر.

فرد المدعي :

تعلم سيدي القاضي أن الليل سباتا، والنهار معاشا ، وقد خلق الليل للنوم ، إلا لمن يعملون فيه، ويبتغون فيه رزقا، وتلك فئة لا ألومها.

لكن سيدي القاضي هؤلاء سهروا الليالي ، واعتدوا على حرماتي، ودخلوا أرضي نياما ، وأخذوا نصف أملاك إلى الظهر، ومنهم من تجاوزه غير مبالي .

فلا يمكنني سيدي أن أرى أناسا يحتلون ملكي نوما ، عوض أن ينتشروا كما أمرهم الله.

لذلك التجأت إلى محكمتكم الموقرة قصد إسترجاع حق ما ضاع وراءه طالب.

فسأل القاضي الدفاع : هل لديك مرافعة، فأجاب نعم ..

قال : سيدي القاضي، والسادة المستشارين، والسيد ممثل الحق العام ..

لابد أنكم تعلمون أن الله أعطى لكل دي حق حقه ، وفرق الليل عن النهار، وأن حقوق موكلي واضحة ومسطرة..

سيدي القاضي أرض موكلي صالحة للسعي، وليست صالحة للنوم ، وأن النوم يفسد محصولها ...

وكون هؤلاء المتهمون استغلوها لوقت كان موكلي لا يعيره إهتمام في أول الأمر ، لكنهم تمادوا في ظلمهم، وأصبحوا لا يغادرون أرضه نوما إلا بعد إنقضاء نصفه أو أكثر..

مما دفع بموكلي إلى الإلتجاء للقضاء قصد استرجاع حقه.

بعد ذلك أعطيت الكلمة للمدعى عليه ..

فوقف الليل وعلامة الحيرة بادية على محياه...

فقال : سيدي القاضي، لا أنكر كل ما قاله النهار ..

فأنا كذلك تم الإعتداء علي قبل الإعتداء عليه.. 

 ولم يكن لي قصد في ذلك ...

فهؤلاء اعتدوا عل  حرماتي بالسهر، ولم يسكنوا ليلي ، ويراعوا هدوئي ...

 ولم يخطر ببالي أنهم سيعتدوا على النهار، الذي كانت تربطني ولا زالت علاقة  ود واحترام  ....

ولم أكن على علم  بما يفعلون من بعدي، ولم يسبق لي أن حرضتهم على هذه الأفعال  ..

فأنا بريء سيدي القاضي وقد أديت القسم..

فأعطية الكلمة لهيئة الدفاع ..

فقال : سيدي القاضي... إن موكلي المدعى عليه بريء من كل التهم المنسوبة إليه،

 والذليل على ذلك أنه عندما ينجلي تنعدم مسؤوليته عما يحدث بعده.

وهؤلاء يتصرفون من تلقاء أنفسهم، لذاك هم يتحملون كل المسؤولية، لذلك أطلب من هيئتكم الموقرة إخلاء التهم عن موكلي، ولكم سيدي واسع النظر..

بعد انتهاء كل المرافعات، تبين للمحكمة أن شكاية النهار ثابتة بالذلائل والحجج ..

وتبين أن دفاع الليل وتصريحاته الواضحة، وكل ما جاء به من ذليل على عدم مسؤوليته عن الأفعال الصادرة من بني البشر ...

فاقتنعت المحكمة اقتناعا تاما، وتبين لها بعد كل المرافعات والدفوعات، وخرجت بالقرار التالي..

إستدعاء الفاعلين الحقيقيين الذين خالفوا الطبيعة ....

وخلطوا عمل الليل بعمل النهار....

وحددت جلسة لذلك في تاريخ محدد .....

 رفعت الجلسة.

( عبد العزيز الحساني )

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

نص ( قطار أحلامي ) للاديب الراقي ذ . ربيع دهام .

 ماذا أفعل بصوتي، بصمتي؟ بحياتي وبموتي؟ ماذا أفعل بحزني...بفرحي؟  بضحكتي وبحسرتي؟ ماذا أفعل وكلُّ ما حولي بات يشبه كلَّ ما حولي.  وكلُّ ما ف...