(الرّصاصة / ربيع دهام)
ما إن انتهى وحشُ الظلامِ من التهامِ وجبةَ الضياء، وأرخى الصمتُ المخيفُ ستائره على المكان، وما إن سيطر الغضب عليهما، وتسلّم بدل عقليهما دفّة القيادة، حتى دوّى أزيزُ رصاصةٍ، انطلقت من فوّهةِ مسدّس، فأضاءت بنيرانها الغرفة.
نارٌ أعلنت خرقَ جدار العتمة والصّمت.
رأى الولدُ، في لحظةِ انبعاث الرصاصة، وجهَ قاتله، فسقط على الأرضِ مترنِّحاً.
لا. لم يكن منظر الدم ما أرعبه، بل هويّة مطلق النار. وكان مطلق النارِ أمّه!
على ركبتيه جثا الصبيُّ. وضع رأسه على الرخام وبكى.وبكى وبكى وبكى.
" لماذا يا ماما؟"، صرخَ بوجعٍ.
وكان في صرخته ألمٌ يفوق ما في السماوات من نجوم.
دبدب الشابُ المراهق نحو غرفته. وضع يده على المقبض، وأغلق
الباب خلفه. وبصعوبةٍ، استطاع الصعود إلى سريره.
وهناك، طوى قامته. اختبأ وراء الوسادة. والتجأ إلى ما تحت
اللحاف. ومن تحت اللحاف، لم يكن ليرى الشابُ إلا وجه أمه حين أطلقت عليه الرصاص.
لم يمُت الشابُّ في ذاك النهار، بل ماتت العلاقة بينه وبين أمّه.
فخاصمها. وهجرها. وابتعد عنها، وسكن في بيتٍ آخر.
ويوم وصله خبر موتِها من صديقه المقرّب، لم يتأثّر بتاتاً. بل قال لصديقه، ببرودةٍ تجعل الكون يتجمّد: "هذه حال الدنيا".
وذات يومٍ، وبينما كان يهمُّ الشاب الذي صار رجلاً، والرجل الذي
صار جندياً، بالخروج من ثكنته، إلى شارع من شوارع الوطن، حيث كانت تدور معركة بين الجيش وإرهابيين، أطلق قنّاصٌ غدارٌ رصاصته نحو قلب الرجل. فأصابته الطلقة إصابة دقيقة، وسقط على الأرض فوراً.
صوّب أصدقاؤه الجنود رصاصاتهم نحو القناص، فأردوه قتيلاً،ثم توجّهوا بلهفةٍ نحو صديقهم. لكن قبل أن يصلوا إليه، رأوه ينتصب على قدميه، ماسحاً عن لباسهالعسكري غبار الأرض.
يا للغرابة! لم تسقط من الرجل أي نقطة دم مع إنه لم يكن يرتدي واقياً.
حتى الرجل نفسه لم يصدّق ما قد حصل.
ولمّا أحنى رأسه ليعرف السبب، لم يصدّق ما رأى.
الرصاصة التي أطلقها القنّاصُ على قلبه، اصطدمت بالرصاصة
التي كانت قد أطلقتها عليه أمه، فارتدّت وتناثرت في الريحِ أشلاء

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق