شهادة بعين رادار.
حميد سائق سيارة متواضعة، كان راجعا الى بيته في ليلة شتوية فوقع فيها ما لم يكن له بالحسبان!!!
غادر السوق يوم الجمعة عند السادسة مساء.. كان يسكن بعيدا عن هذا السوق الذي كان يعمل فيه كناقل بضائع بسيارته المتواضعة.. لما باشر طريقه، كان الليل قد بدأ يسدل عباءته السوداء على المدينة.. أنوار الشوارع قد أضاءت ما حولها.. بالسماء كانت سحابات سوداء تنبئ بجو ممطر.. حميد لوحده في السيارة.. ينظر الى ماسحات الزجاج تتسابق مع دمعات غيث تبلل الزجاج أمامه.. القمر المكتمل يحاول مسح تلك السحابات السوداء عن وجهه.. من بعيد، وعلى ضوء عمود كهربائي، تباين لحميد رجل يشير الى السيارات لتتوقف.. اقترب منه.. نظر اليه.. تجاهله واجتازه.. وعلى مسافة بضعة أمتار، قلل من السرعة.. كان ضميره قد أفاق فيه انسانيته.. وبَّخَه فتوقف. عكس سيره ورجع نحو الرجل.. وضع نفسه في محله و هو يلعن الشيطان على ما كان سيحدث منه من تجاهل رجل يطلب المساعدة في ليلة ممطرة. حدثته دواخله في تلك اللحظة بما جعله يشعر بخزي الضمير:
- أهكذا أنت يا حميد؟ تترك رجلا في الخلاء ليلا والشتاء تبلله والبرد يقرسه وأنت لوحدك في سيارة تتسع لخمسة أشخاص؟ لماذا لا تحمله معك؟ ماذا ستخسر؟ أهذا ما كان أبوك يعلمك إياه؟
قبل أن يصل الى الرجل، جرى هذا الأخير إليه.. فتح الباب وصعد.. جلس بالمقعد الأمامي وأغلق وراءه الباب.. ألقى السلام على حميد ثم دعى له.. انتبه حميد الى الرجل.. كان يرتدي كمامة قماشية ضد انتشار فيروس كورونا و يلبس نظارات سوداء. بدلته أيضا كانت سوداء و أنيقة بعض الشيء تزينها ربطة عنق بلون أدكن.. لم تكن تنسجم مع اللبسة. سأله حميد:
- أظنك موظفا. استقر الرجل في مكانه. اعتدل في مقعده.. ازال كمامته ثم أجاب:
- لا؟ لست موظفا. أنا.. تلعثم. ثم أمعن النظر الى حميد في صمت.. أحس حميد و كأن نظرات الرجل تنفذ الى أعماقه.. أحسها نظرات غريبة و كسهام نفذت الى جسمه أو كأسلاك شائكة بدأت تسيجه من كل جوانبه.. راودته هواجس وشكوك اتجاهه. قال ليخفف من روعة ما أصابه:
- لأناقتكم، كنت أظن ذلك. أجابه الرجل:
- أنا مسافر. ركبت مع سائق قبل هذه المدينة، فأنزلني هنا. ما وجدت حافلة فخرجت إلى هذا الطريق لعلي أجد بها من يوصلني الى المدينة المقبلة، وها قد انقذني الله بك من هذا المطر وهذا البرد القارس بهذه الليلة المظلمة...
بعد هذه المحادثة القصيرة، حط السكون رحاله بداخل السيارة.. حاول حميد تجاهل نظرات الرجل وقد استولى عليه خوف أحس به اتجاهه وهو لا يدري لماذا؟ كانت نفسه دائما تنبهه أن يأخذ الحيطة اتجاه الغرباء لكن طيبته و انسانيته تجعلانه يتغافل عن هذا ويتخذ مقاما أخر أشد انسانية و أبلغ طيبة وأقل احترازا.
كان يفرق نظراته بين الانتباه للطريق و النظر شزرا لمن بجانبه..
كان يتساءل و نظرات هذا الغريب الذي ترمقانه من خلف نظارات سوداء: هذا الشخص يخيفني. واختفاءه وراء هذا العتاد من نظارات سوداء بالليل و كمامة تلثمه، أخشى أن لا يكون لحماية صحية بل لغرض آخر!
كلما طال الصمت انتاب حميد الخوف والدعر.. تظاهر بالسكينة.. لكن خارجيا فقط، أما من دواخله فقد كان يرتعد مخفيا صك أسنانه، مترجيا من الله ان يقيه من هذ الذي بجانبه والذي يحسه وكأنه ينفث سموم خوف كادت تشل كل اطرافه.. تشبت بالمقود.. تجاهل الرجل.. ضغط على دواسة السرعة.. استعمل إشارة التجاوز.. تجاوز شاحنة طويلة طال سيره وراءها.. زاد من سرعة سيارته التي بدأت تلتهم الاسفلت بنهم.. أسرع ليصل الى المدينة ليتخلص من هذا المسافر المفاجئ وخوفه.. وهو هائم في غابة أفكاره إذ بالذي بجانبه، يميل نحوه. شعر بما يشبه سكينا قد دق أضلاعه مرغما إياه على التوقف الفوري.. ارتعدت قوائمه.. هم بالكلام.. قال الرجل:
- توقف وأخرج ما بجيبك ولا تنبس ببنت شفة، وإلا أولجت هذا السكين بين أضلعك. توقف حميد في الحال.. قال وهو يرتعد:
ما "دير خير ما يطر باس". قال الرجل:
- اجْبَدْ ما عندك وَبْلا هَظْرَا" أخرج حميد محفظته من جيب معطفه وقال للرجل: أرجوك. نقتسم ما بالمحفظة من فضلك أو على الأقل، تفضل علي منها بما تريده ولا تتركني صفر اليدين. فما بها هو كل ما اكسبه، و علي دين إن لم أسدده في هذا الاسبوع يمكن أن أسجن، ثم هناك كراء يلزمني ومؤونة شهر تنتظرني.. نشل منه الرجل المحفظة قائلا:
- "هذاما شِي شغلي". وجدتني لا أرغب في السيارة وإلا كنت أخذتها منك هي الأخرى.. ثم نزل و تلاشى في الظلام رافعا في وجه حميد ما هدد به، ولم يكن سكينا بل كان مجرد طرف مظلته...
تابع حميد طريقه و الخيبة تملأ خوالجه. كيف وقع في مصيبة كهذه وما كان ليقع فيها لو تابع طريقه و تناسى ما أملاه عليه ضميره من فعل الخير.. كان يقود سيارته بدون انتباه فكاد ينقلب.. تبعثرت أفكاره لما حدث له.. ضاعت منه الفلوس وكل الاوراق..
لم تغمض له عين طول الليل.. في الصباح اتجه الى مخفر الشرطة.. اخبرهم بالأمر.. واعدوه بأنهم، بعد التحري، سيستدعونه للحضور، وذهب الى عمله بالسوق...
بعد أيام، وهو بالمنزل سمع دقا بالباب.. خرج.. كان ساعي البريد.. طلب منه أن يمضي له ورقة لتسليمه ظرفا بإسمه.. دخل.. فتح الظرف فإذا به تقرير تجاوز السرعة بتاريخ ذلك اليوم الذي وقعت له في مشكلة التعدي عليه.. كان التقرير يحمل صورة أمامية لسيارته بها رقمها وتظهر من الزجاجة الأمامية صورته وصورة من كان بجانبه.. ذهب الى المخفر.. قبل أي شيئ طالبوه بتأدية ما عليه، ثم أخبرهم بعد هذا بأن الذي في الصورة بجانبه هو من تعدى عليه.. قال له الشرطي:
- لقد سهلت علينا أعين الرادار مشكلة القبض على اللص.. فلا تبتئس بما فعل وتيقن أن هذا، لا محالة هو اليوم في قبضتنا.. إذهب وسنخبرك عند الإتيان به..
مرت يومين، استُدْعِيَ حميد للمخفر.. وجد الرجل الذي سرقه ومعه رجل آخر يظهر أنه من الأغنياء..
بعد انتهاء القضية أخبر هذا الأخير حميد بأن اللص كان سائقا عنده لذلك أحضروه لتأكيد أقوال اللص. ثم قال:
- أنا اليوم بدون سائق لأن هذا سيدخل السجن وهو مطرود من عمله، فهل تحب أن تعمل عندي كسائق؟ أجابه حميد بنعم وهو يحدث نفسه:
- لولا هذا الاعتداء، وتجاوزي السرعة، ما كنت اظفر بهذا العمل.. فرب ضارة نافعة...
احمد علي صدقي/المغرب