غَضْبَة كراسي.
في قاعة اجتماعات كبرى، حيث الأضواء المنعكسة من ثريات كريستالية مع طاولات لامعة، كانت هناك كراسي حمراء تصطف بصمت كما لو كانت جنودا في انتظار معركة. تهمس همساتها الغريبة التي تسري في المكان كله، لكن لا يسمعها سوى أولئك الذين امتلكوا خيالًا قادرًا على الإصغاء.
وأنا أمر بذلك الشارع الكبير، توقفت تحت ظل نخلة جردوا ساقها من أوراقه حتى لتحسبها ميتة، لولا بعض سعوف خضراء في القمة، امتزجت بأغصان يابسة متشابكة أنشأ بها لقلاق عشه، سمعت ضوضاء، بل حوارا ساخنا ينبئ بقلق هموم ومسهد آلام بداخل هذه القاعة. سمعت كرسياً وأظنه كرسي لشخصية مرموقة، قال بنبرة مشوبة بالمرارة:
- كم أشتاق لأيام كانت العظمة تلازمني. ما كان يجلس فوقي سوى من يستحقني. يجلس فوقي من يحمل هموم الجميع ويصنع القرارات بحكمة. رد عليه كرسي آخر وبلهجة ساخرة:
- أما أنا، فقد مللت ثقل هؤلاء الناس الذين لا يجيدون إلا التصفيق والطاعة العمياء. يبتسمون للجميع مظهرين حبا في الأقوال لكن بقلوب تضمر بغضا تذوب منه الجبال.
كان الحديث ساخناً. بدأ يتصاعد ويتصاعد شيئاً فشيئاً، حتى علا واظهر ما تكتمه هذه الكراسي من حزن لم يعد محتملا. تزايد الغضب المخفي لكن استفحلت نتانته فانتشرت خارج القاعة لتزكم أنوف المارة بالشارع..
همس كرسي آخر. حسب صوته المتهالك يظهر أنه كرسي شاويش. قال:
- كم تحزنني تحركات هذا الرجل الذي يجلس فوقي. هذا الذي لا تنتهي خدماته لهذه الأقوام. رجل يلبي كل الرغبات وما نال من احترامه وتأدية وظيفته إلا سوء تعامل وسبا وشتما من هؤلاء الذين تحملونهم فوق أكتافكم أيتها الكراسي الغشيمة. هؤلاء الذين ما عملهم سوى كذب على العلن.. هؤلاء الذين ينامون فوق اكتافكم أو ينجزون فوقها مصالحهم عبر هواتفهم.. كم تحزنني تأوهات هذا الشاوش المزعجة والسخريات الفظة لمن يجلسون فوقكم. تعاملات عبؤها عليكم أثقل من أجساد من يجلسون فوقكم..
تدخل كرسي آخر، يظهر من صوته أنه من قدماء كراسي القاعة. قال:
- كم يرهقني وزن هذا الجسد الذي يجلس فوقي ولا يحمل إلا فراغًا. أين ذهب أولئك العظماء الذين كان جلوسهم فوقي يثقلني بالحكمة والرزانة؟ أين هم أولئك الذين كان همهم الصالح العام؟ أراني الآن أجلس تحت من لا يعرف سوى ضرب الطاولة، ظنًا أن الصوت قوة وأن الرجولة هي النفوذ واستعباد البشر. قال آخر:
- قد حان وقت التغيير. نحن اليوم لم نعد نقدر على تحمل مجمع لا تصدر عنه إلا الترهات. وهذا مما لم نعد نطيقه. فلماذا الصمت ونحن من نحمل هؤلاء الثرثارين على أكتافنا؟ إن أردنا يمكننا أن نلقي بهم أرضا ونستعيد كرامتنا.
قال له آخر بسخرية:
- أوه، كفاك نحيبا يا صاحبي! انظر إليّ، أنا المركون المنسي في هذه الزاوية. أنا كرسي النسيان. منبوذ في هذا الركن لا يجلس علي إلا أولئك الذين يأتون للتمويه. لا أحد ينظر إلي أو يكترث لوجودي.
ساد صمت ثقيل لثوانٍ، ثم انطلقت أصوات الموافقة من كل زاوية في القاعة. قال كرسي:
- لقد حان وقت ثورة غضبنا نحن الكراسي.
سكت الكل وتكلم اللقلاق من فوق النخلة ومن عشه المحبوك بدقة بقمة النخلة:
- أيتها الكراسي الغاضبة. وجودكم كعدمه. بلا قاعات اجتماعات ولا تفضيلات ولا تعويضات ولا أجور باهظة، كانت الأمور تسير ولا تتوقف. أرى أن وجودكم ومن تحملونهم فوقكم هو عبئ عليكم وعلى الجميع. حضوركم وحضور من فوقكم، ظاهره يحكي خدمة الصالح العام، لكن باطنه يخفي من المصالح الخاصة ما يعلمها إلا الله...
سكت اللقلاق. سكتت الكراسي ومَن فوقها. سكت من بداخل القاعة. ساد الصمت بالشارع...
أحمد علي صدقي/المغرب.






