بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 12 ديسمبر 2020

قصة 🔥 قيد التعديل 🔥للاديب القاص المبدع ذ . محمد القصبي

 Dossier des bêtes

قيد التعديل

خرج باكرا ينقب في سلات القمامة التي تغطي أحياء  و شوارع المدينة ،عن متلاشيات يجمعها لبيعها في سوق الخردة الكائنة بمحاذاة نظارة الأوقاف و الشؤون الإسلامية ،  لقد عرفت هذه التجارة انتعاشا كبيرا  خلال الأعوام الأخيرة ، لاسيما لدى الشركات الأجنبية التي تقوم بإعادة تدويرها و ضخ إنتاجها في أسوق البلدان النامية و هي تحصد بذلك أرباحا خيالية . لم يجد في القمامة التي زرعت قرب بوابة القنصلية الفرنسية غير سجل ذهبي أثار انتباهه و استحب أن يحمله إلى ابنته لتتعلم منه ما قد يجود به من قصص مفيدة للأطفال ... فعلا إنها قصة كبار تقزموا دون حجم الصغار..

عشية نفس اليوم ،كعادته،  منهكا يغالب الخطو  قفل العودة إلى منزله بعد أن باع لتاجر الجملة جميع ما تحصل عليه مما جمع و لم من الأشياء المستعملة إلا السجل المعنون باللون المثير لونا و جاذبية .تأبطه  فرحا مما قبض، سيسعفه  المال أخيرا من تأدية واجب الكراء و أقساط  الماء و الكهرباء المتأخرة عليه بعدد كفارة الظهار اي بحاصل شهرين متتاليين ...

كم أثنى على زوجته كامرأة حكيمة مقتصدة متقشفة، استلهمت قيم التقشف فقط مما فطمت عليه و عايشته ردحا من الزمن كأسلوب لمحاولات العيش بعد أن  أقرته الحكومات إرثا  تربويا بين عامة فئات الشعب الأمي المستنسخ وفق نظرية القطيع ..التقشف الذي دعمته قوى الضغط  ببرامج  حزبية  عميلة ...حقا --المال يستر رذيلة الأغنياء، والفقر يغطي فضيلة الفقراء---كلنا أبناء هذه المرحلة الممتدة إلى ما لا نعلم متى تلاح لنا من متن المسار نقطة النهاية...

فلله الحمد من قبل و من بعد كون  أن لنا مزابل تحيا على نعمها العطنة اسر ،متشردون ، حمقى متجولون أناء الليل و أطراف النهار، و شركات عملاقة تعيد صناعة و تدوير المستعمل لتغذية سلات القمامات من جديد و تلكم دورة الحياة التي صنعتها تقنية اليوم زمن الجيل الخامس الرقمي ...و الآتي اغرب و أمر ...

عرض السجل على ابنته الوحيدة ، فلم تحفل به بل ألقت به وراء ظهرها و انغمست تلعب بدميتها التي جلبها لها أبوها من إحدى سلات القمامة بعد مرور عاشوراء بشهر ،  هكذا كذلك يتأخر  احتفال ابنته  بالعيد و العيدية اذ لا يصادف يومه الرسمي غالبا تقضي اليوم جله بين الدمى مكلسة الحس على اعتبار  أنها تشب أمية جاهلة محنطة لبذرة الأمومة في وعيها و خلدها --- و هذا ما أشار إليه أرسطو في قولته الشهيرة ---يختلف المتعلّم عن الجاهل بقدر اختلاف الحيّ عن الميّت.---

في إحدى المساءات الشتوية عاد سعيد صهره إدريس الذي حصل بشق الأنفس على دكتوراه في العلوم السياسية  ، بعد حديث ذو شجون و الذي تشجر مختلف المقامات  ،عرض عليه الرجل السجل الذي دبج عنوانه بكتابة مذهبة  مستفسرا إياه عن سر طبيعته ، ففغر فاه و اندهش أيما اندهاش لرؤيته . بعد نصف ساعة من فحصه الأوراق التي احتواها السجل تساءل مرتبكا متلعثما :

--- من أين لك هذا ؟؟؟؟

اجاب ادريس ببرودة :

---- من أمام السفارة الفرنسية ،كان مختفيا بين مجموعة أوراق مرقونة ،اغلبها باللغة العجمية و الباقي بالخط العدلي ..

استدرك الصهر بوقار مصطنع :

----- يا لها من فرصة ذهبية...هذا السجل، إنما هو نسخة أصلية من اتفاقية الذل و العار و العبودية المنبوذة المستمرة و المستجدة بين الدولة و فرنسا .إنها معاهدة اكس ليبان ، معاهدة ستجدد لا محالة  بافتعال حرب و لو و الجارة الشقيقة التي جعلتها فرنسا  مقاطعة فرنسية  وذلك بفضل ما اختارته لها من حكام و طغمة عسكرية لتقويض أية وحدة مغاربية  قد تتحقق ، مثلما  جعل الغرب إسرائيل شرطي المنطقة لكن هيهات  ---من ضيع الأمانة ورضي بالخيانة فقد تبرأ من الديانة.----

تكتم على الامر و لم يفصح عن سر الملف لأي احد من الأهل رغم زوغ بؤبؤيه أللدين فضحاه و في شبه صرف بعيني اللص عند أهبته للسرقة يا لها من فلسفة السرقة التي تتدرج من قصور الكبار الى داخل مكعبات الأسر القصديرية  .....أين الوطن .. اين الضمير ؟؟ اين الاشفاق على المصير ؟؟؟..كل شيء قد صار لعنة تلفح بنار السعير  قبور  من رحلوا من الخونة  الآثمين ...

بعد زمن مستقطع من الصمت ، شرع  يتساءل مضطربا متشككا في نفسه ، في علاقته بالرموز إلا التراب الذي هو من رفات التاريخ يتمجد في قلوب المؤمنين به و يتساءل جاهرا :

--- هل عنونة الملف ب/dossier des betes  كان من اجل التمويه بينما لغته صريحة الدلالة على تحقير و ازدراء دولة و شعب على بكرة أبيه ؟؟؟؟؟؟؟؟  ثم أيضا هل هي وثيقة عقد بيع لوطن أرضا ، تاريخا و شعبا أم هي تنازل عن استغلال منفعة وطن عاقر من الرجال و ذلك لمدة مفتوحة قابلة للتمديد ؟؟؟؟؟؟؟ ااتفاقية هي  تستمد قوتها من فعل اتفق /  هذا الفعل الذي هو حقيقة الية جهنمية لصناعة رحم لا يقذف إلا  صك عبودية ؟؟؟؟

---- كيف و هي الوثيقة التاريخية الناذرة قيمتها ألا تحظى باهتمام بالغ من قبل أصحاب الأرشيف السياسي ؟؟؟؟ وثيقة نعم هي المكسب و المغنم لو يعلم مفتش المزابل .

أخذها شاكرا صهره على مثل هذه ألأضمومة التي ستساعده في نشاطه البحثي  المعمق ، انقده ببعض الأوراق النقدية و انصرف راكضا إلى غرفته القصديرية التي شيدها على سطح البيت القديم ..أضاء الأباجور الذي تحصل عليه من صهره مع مجموعة أخرى من اللقى التي جادت بها عليه إحدى سلات القمامة المبثوثة في الحي اللاتيني ، فتح ملف dossier des betes ، و طفق يستطلع حرفا حرفا مضمون الوثيقة السياسية ، كم كانت دهشته شديدة ممزوجة بنبرات متقطعة استقامت على عبارة :

--- أو لأجل حفنة من الناس هددوا السيادة تمت دعوة فرنسا الملحدة لفرض الحماية ؟؟؟؟ ؟؟؟ مما تولد من وهج هذا الاستشكال عبث السؤال الموؤود:

------ هل بوحمارة كان حقا خائنا ؟؟؟؟

اخذ يهدئ من روعه أمام تفجيرات الأسئلة التي أخذت تتوالى أمام ناظريه :

-----كيف ذلك و الأحزاب الرئيسية هي نفسها من وقعت عليها ؟؟؟

----هل هذه الأحزاب هي الأخرى خائنة  للعقيدة في الدين و الوطنية في حين نجدها اليوم تتبجح بتاريخ نضالها الدموي؟؟؟ اجل هو نضال به كان توقيع الاعتراف ب استقلال المغرب بعد إقرار اتفاقية اكس ليبان بالتأكيد ..

---لا .. لا يهم أنا ليوم لست بصدد محاكمة التاريخ  ، لكن بين يدي الآن النسخة الأصلية للمعاهدة المشؤومة ، إنها تحفة ناذرة في سوق لقى المزابل الفرنسية، لهذا يجب ان يظل فكري محددا باعتبارها كقيمة فنية ليس إلا. سألتقي بالسفير  الفرنسي و سأعرض عليه نسخة شمسية منها ..حتما  لا ادري إلام ستسفر عنه المفاوضات الثنائية ...قد امنح حق الإقامة و العمل في فرنسا  الحلم .. او مبلغا محترما أحقق به ذاتي هنا في سوق التجارة الداخلية ...أو سأرشي من سيسهل لي العثور على وظيفة  كأستاذ مساعد في إحدى الجامعات الوطنية ...لم لا فكل من يسمون بالدكاترة هم اميون  اغببياء .. حققوا الحلم بالتمسح او بالدرهم ....الدرهم في وطني يشتري الأمن و العدل و إدارة المؤسسات التمثيلية،  فقط يجب ان تكون امعيا اميا هههههه

في الصباح الباكر من يومه الاثنين كان أمام مكتب الإرشادات ، حرر استمارة بتعليل و تسبيب الزيارة ، فلم يكن له أمام ديمقراطية التواصل  و الحق في المعلومة  التي يتبجح بها الغرب إلا أن رخص له بلقاء السفير  العظيم .، لم يندهش هذا الأخير لما اطلع على النسخة النسخة الشمسية من وثيقة معاهدة اكس ليبان ،ابتسم ...ماكرا جريئا  قال بصوت خفيت :

--- لم لم تقرأ العنوان فتريح نفسك و تريحني من زيارتك الغبية ؟  أين الأصلية منها سأله السفير مقطبا حاجبيه و بنفس الابتسامة الصفراء

أسرع الزائر في الرد مرتبكا:

---انها بحوزتي سيدي و لقد علمت بانتحار القنصل ربما لهذا السبب

تساءل السفير مستعجبا ---- سبب؟؟؟

واصل الزائر توضيحه :

----نعم يبدو أن إتلاف هذه الوثيقة الحيوية كان سببا مقنعا بل دافعا إلى الانتحار

مد السفير يده الى الثلاجة المكتبية ، اخرج قنينة خمر ، كرع دنا ثم استدار إلى جالسه يقول:

---- لا اطلاقا لكن  حدثني ، أليس في دينكم على ما اعتقد حسب علمي و احتكاكي بالعاملين هنا ما يفيد كلمة استحمار

اندهش الزائر من وقع الكلمة عليه كالصاعقة :

----استحمار ؟؟؟؟ عفوا ماذا تقصد سيدي ؟؟؟؟

اردف السفير موضحا :

-----لا عليك ، نسيت النقطة التي هي أصل كل الإشكال  و الأشكال  ،إنها نقطة الجيم ، فحتما  هي نقطة ستسعفك بركتها الروحانية كي تتطهر  هيا استجمر بها

ضغط على زر الاستغاثة ، فاذا بشرطيين يقتحمان المكان  مهرولين، امرهما بإلقاء القبض عليه ، و تحرير محضر عن الكيفية التي تم بها تحصله على وثيقة سيادية هي ملك لفرنسا ؟؟؟؟

لم يكن يعلم ان سلة مهملات الغرب قد تفضي الى باب السجن في ناذر الأحوال

في المشهد الأخير ، كانت  كلمة الراوي موجزة عما حدث ووقع  اذ جازما  قلقا صاح في قلب سلة القمامة : أرجعنا بقوة القضاء و القانون الوثيقة الأصلية ، أرجعنا القيد لتحكموا تقييد رساغنا ، اكواعنا  ، رقابنا ، معاصمنا ..... ----نفَضِّلُ الحريةَ المحفوفةَ بالمخاطرِ عن السلامِ المُكَبَلِ بالعبودية. -  أليس هذا ماقاله حكيمكم ، بينما السفير لحظتئذ  و بكل كبرياء ردد في نفسه  :

----  يتوارثون خيانة أرضهم و دماء أجدادهم ...عملاء اليوم لقد صدق من عنون الملف الذي ضم اتفاقية النصرإشارة إلى هؤلاء //dossier des betes ،// dossier des betes،  en esclavagese sont tous tombés // dossier des betes./....ههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههه

---عندما يتعرّض بلد ما لقمع طويل ، تنشأ أجيال من الناس لا تحتاج إلى الحرية وتتواءم مع الاستبداد ، ويظهر فيه ما يمكن أن نسميه المواطن المستقر. – هكذا طبقنا فكرة أتين دي لابويسيه في مستعمراتنا أيها الخونة ،الأغبياء ...

محمد القصبي

20/11/2020

اصيلا

المغرب الاقصى


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

نص ( قطار أحلامي ) للاديب الراقي ذ . ربيع دهام .

 ماذا أفعل بصوتي، بصمتي؟ بحياتي وبموتي؟ ماذا أفعل بحزني...بفرحي؟  بضحكتي وبحسرتي؟ ماذا أفعل وكلُّ ما حولي بات يشبه كلَّ ما حولي.  وكلُّ ما ف...