بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 2 فبراير 2022

قصة . & القاتل الصامت & الاديب القاص المبدع ذ. كجمد البوركي .



 القاتل الصامت

الرماد يزحف ، يكتسح كل شيء : المقاهي والمنتزهات والغرف المغلقة و المكاتب المكيفة و الملاهي و الشواطئ و الغابات و الساحات ، يجتاح المسام و الرئتين وشرايين القلب و خلايا الدماغ ، ينسف البدن و الروح و المال و المعنى و المنطق ، من هنا وهناك  تتصاعد أدخنة سوداء كريهة الرائحة مكونة سحابا لا يمطر.

سلاح الموت يباع بالتقسيط في الأزقة و الدروب ، و بالجملة في الدكاكين و المتاجر الكبرى ، يعرض في علب جذابة من مختلف الأحجام و الأشكال و الألوان .

زبائن من كل الفئات و الطبقات و الأعمار: أثرياء ، فقراء ، علماء، مشردون ، شرفاء ، مجرمون ، مثقفون ، أميون ، مشاهير، معاقون ...

لم ينج إبراهيم من هذا الزحف الجارف ، كان أستاذا يضرب به المثل في الجدية و النباهة الفكرية و نكران الذات ، ناهز الستين خريفا ، و منذ أن أحيل على التقاعد لم يبرح سريره إلا لقضاء حاجة ملحة ، إذ لم تعد رجلاه قادرتين على حمله .

في ذلك القفص الإسمنتي المعلق بالطابق الخامس من العمارة ، تؤنسه في وحدته ابنته فاطمة التي ترفل في ربيعها العشرين و كتبه ومجلاته و أوراقه و ملفاته و أسطواناته.

كان لا ينفك يدخن باستمرار ، تحول إلى كومة عظام يابسة ، أسنانه السوداء ، أو ما تبقى منها على الأرجح ، منخورة .

نادى ابنته ، لم تتوان في تلبية طلبه ، لثمت ظاهر كفه  و جلست بجواره ، ناولته الدواء وكأس ماء ، ثم قالت بصوت يفيض رقة و عذوبة :

- أ لن تكف عن احتساء هذا السم الزعاف ، يا أبي ؟ لم تمتثل لتحذيرات الأطباء و لا لنصائح العلماء و الأصدقاء . هل يرضيك أن تتحول إلى مدخنة تلوث الجو  و تخرب عناصر الحياة و سمات الجمال .

قبل أن يجيب ، أشعل الفتيل ، توهج وجهه الشاحب النحيل ، أغمض عينيه ، سحب نفسا عميقا ، انخرط في نوبة كحة جافة طويلة متتابعة ، هدأ قليلا ، ثم أردف قائلا :

- كلامهم سخيف ، و وصاياهم هراء ، لا تصدقيهم يا عزيزتي ، لدي مناعة قوية ، أستطيع بها أن أقاوم الأمراض و أواجه الآفات .

- خدعوك حينما قالوا إن التدخين يساعد على التركيز و يطور الذكاء ، و يمنح الطاقة و الكاريزما. هذه الأراجيف يروجها أرباب شركات التبغ ، أنتم زبناؤها  و وقودها ، لا تهمهم صحتكم و لا سعادتكم بل ما يجنون من ربح وفير.

-  حسبك هذا يا فاطمة يا ابنتي الحبيبة ، سئمت هذه السفسطة العقيمة ، أريد أن أنام.

أخذ يقلب علبة السجائر بين كفيه ، استرعت انتباهه جملة كتبت باللغة الفرنسية في الأسفل :Fumer tue  ( التدخين يقتل  (، أمعن فيها النظر كأنما يراها لأول مرة ، انفجر ضاحكا ، جحظت عيناه ، انتابه سعال حاد ، تنفس بصعوبة بالغة ، خارت قواه ، مال جانبا ، ثم لفظ أنفاسه .

صرخت ابنته و ناحت ، احتضنته و قد تبللت وجنتاها بدموع حارقة ، و هي تردد :

" انطلت عليك الحيلة يا مخدوع ،  لمن ستتركني أنا اليتيمة ، لمن ... " .

بقلم : محمد البوركي –  المغرب .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

نص ( قطار أحلامي ) للاديب الراقي ذ . ربيع دهام .

 ماذا أفعل بصوتي، بصمتي؟ بحياتي وبموتي؟ ماذا أفعل بحزني...بفرحي؟  بضحكتي وبحسرتي؟ ماذا أفعل وكلُّ ما حولي بات يشبه كلَّ ما حولي.  وكلُّ ما ف...