عالي الاحساس
لا يدري كيف تزامنت رغبته في الرسم مع بِدء فقدانه للبصر، بدأت الحالة عنده تدريجياً، بينما أخذت باقي حواسه تنشط بشكل ملحوظ، بدأ سماع همس الناس من حوله، ثم همس المخلوقات، ثم همس الأشياء، بعدها بدأ يعرف نوايا ومكنونات ورغبات البشر بمجرد المصافحة، ثم من خلال النظر الى وجوههم، وبعدها بمجرد المرور بقربهم، بعد فترة من الزمن، ولحاجته لرؤية الألوان والأشكال التي يرسمها، بدأ يحس بالألوان ويتماهى معها بمجرد امساك أنامله بالفرشاة، كانت اللوحات تخرج من تحت يده دون تخطيط مسبق، يبدأ ولا يعرف كيف سينتهي، احساسه فقط يدله على النهاية، وكأن اللوحة تقول له في لحظة نشوة فنية : لقد اكتفيت . في ذات الوقت الذي كان معدل احساسه يرتفع، كان يُقِلّْ من كلامه، الى أن أصبح صموتاً يثقل كاهله ما يعرفه عن الآخرين، فالكلام حاجة، وليس احساسا .
في ذات صباح عندما كان ممدداً على سريره في نصف اغماضة لعينيه، يراقب أشباح تتراقص في السقف، لم تتبين زوجته التي دخلت الغرفة بأنه يَقِض، سمعها تقول لنفسها : نوم الظالم عبادة، التفت اليها، فقالت: صباح الخير، كيف أنت اليوم، فلم يجبها على خير صباحها، انما قال : ذلك الحريق في عيني، ربما آن لهذا الجسد أن ينتهي، جلس على حافة السرير لبرهة، ثم لبس أحلى حُلّة لديه استعداداً للخروج، وهو يمسك بمقبض باب المنزل، سمعها تهمس في سرها : عسى أن يكون خروجك الأخير، فالتفت اليها، رفعت رأسها ناظرة اليه وقالت : ماذا تريد على الغداء، فتح الباب وخرج، ولم يعد .
شهرزاد الربيعي / العراق
من كتابي ( تانغو قصص قصيرة ) ٢٠١٦

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق