على قارعة شيبة العشق ...
انصفق الباب بكل قوة وراءها وحل الصمت.. كانت الساعة السادسة مساء، بدأ التعب يظهر على وجه النهار، وبدأت الشمس تنحني خلف الستار وراء ذلك الجبل، ونزل الغروب ليستيقظ عالم همسات الأنس الحالم وأنين الأمنيات، اختفى ضجيج زوبعتها.. لا يزال جالسا على كرسيه، ينظر إلى الرواق الذي رد صدى عصبية كعبها العالي، ينظر إلى الفراغ الذي أحدثه سكون المكان وتفاعل الزمن في ذاته المنهكة، كان زمن السفر طاعنا، ممتعا أحيانا، تجره بسمة طفل يتحدى، وجرأة حلم تزين بتاج الوقار حد الغرور، نظر يمينا ثم شمالا، كان وحده في آخر عربة محطة الحلم.. لقد توقف قطار زمنه، ويجب عليه أن ينزل و يترجل ليعود بخطى اكثر ثباتا إلى بداية إشراقة النهايات، وضع عكازه على عاتقه، نظر إلى الأفق، وابتسم لسخرية القدر.. كل شيء يبدأ بخطوة وينتهي بكلمة، تلك هي سنة الحياة، ومن الجمال ما يضل.. تذكر اللقاء الأول في حديقة غناء، كان جو الغربة باردا، كل الناس كانت في أشد الحاجة إلى الدفء ليس هو فقط، أراد أن يعاتب قلبه فأقام عليه بالصقيع الحجة فسكت.. تذكر يوم ركب ابتسامتها، تلاطفه بعطر كلماتها، في حضنها كان العالم كله منتشيا تحت تأثير النغم وصهيل الطرب الآتي من ضفاف النيل.. هل رأى الحب سكارى مثلنا.. وبدأت مشاهد السراب تتشكل في شرايينه بوجع لسعات الصقيع، ترسم منازل الخيبة في ملكوت النفس المنهزمة التي تحضن في شرودها الم الأمل المغرر به.. شهدت على مولد هذا الناموس الكثير من الأشياء الجميلة التي هرمت، والتي قيدها الاستحياء و تحررت، كان الإيحاء ينزل من طرف خفي برفق الهمسات، يلاطف كل أسباب المرور بين طيات الطوية الكتوم، حافيا يتجول ظل التسكع على بساط شوارع المدينة ورعا، كالراهب، كالعابد بين المقدسات والفتن.. تشهد الارصفة التي أزهرت حينها، و جمال الأشجار الوارفة التي أثمرت، وفواكه آدم الطازجة، والحدائق، و مساحات العشب الجميلة، وبحيرة الحيرة الهادئة، ورشاقة أمواج البحر اللطيفة، وحضن بيتت العز الصغير.. تشهد الاسواق الصاخبة والمحلات الفارهة، والمتاجر وجمال الذوق في هداياها، و يشهد تنافس المواسم في جني ابتسامات اخر عمر تفتح تحت زخات المطر... كل هذه المشاهد عادت لترى نهاية السيزيف واستسلام الود في اسفل الظن، ليكون قربان انشطارات نفس، لا تقبل الترويض في مرابض مقامات الصبر الجميل.. عادت اليرقاء الى وكرها شاحبة الذمة حزينة، مكسورة الجناح، تعزف على غصن الزمن ما تبقى من المتون الواهية... وانحنت الخصلات البيضاء لتقرأ وشم تضاريس الجبين.. تروي على حاشية سفح الكبرياء حكاية قلب هرم، عشق في الضوضاء اخر مطافات الحول أثناء لحظة غروب، واستيقظ بعد استواء الليل على عرش الراحلين..
مختار سعيدي

صديقي المبدع
ردحذف