(احترس يا حسن / ربيع دهام)
- "بأمان الله يا ماما"، سمعَ صوتَها من الخلف يناديه.
بحسرةِ نبضٍ استدار، رَمَقَها بابتسامة تطمينيّه، قبل أن يكمل طريقه.
"سأرجع قريباً"، قال لها بحركة سبّابته الدائريّة.
ثقيلٌ فيضان المشاعر على قمقم اللسان.
ولمّا وصل مع خليته إلى جبهة القتال، ظلَّ صوتها، رغم عويل المدافع
وزعيق القذائف، يطارده.
اتخّذ له مكاناً وراء صخرة.
وتحت ظلِّ شجرةٍ سنديانٍ، كانت قد عرفَتْه عن ظهرِ تاريخ، تموقع.
"هذا، والده استشهد هنا. وهذا، جدّه قاتل هنا.
وهذا، أمّه أتت به طفلاً إلى هنا"، قالت الشجرة للصخرة.
وفي جموح عقلٍ، يأبى أن تدجّنه جحرة الزمانٍ، كمثل روحه الشامسة
الحرونْ، المتفلّتة من كل مغارات هزائم العرب التاريخية،
سافر حسن بذاكرته إلى الماضي البعيد.
رأى نفسَه طفلاً يجتاز خلسةً ذاك الرصيف.
" حسن. احترس يا حسن!"، راح صوتها يناديه.
وكان الصوت ذو نشيجٍ بطيءٍ ومخنوقٍ.
يومذاك، كانت يدها هي التي أعادته بقوةٍ إلى برِّ الأمان،
حينما انتشلته من أمام فيالق السيّارات الهائجة.
أما اليوم، وفي ظلِّ تلك السنديانة الجميلة، حمل المجاهد سلاحه،
لقّمه، وراح مع خليته الصغيرة يتقدّم.
ومع كل خطوةٍ راح يخطوها، كان صوت أمّه ينقر على باب بدنه ويذكّره:
"حسن. احترس يا حسن!".
في فجر تلك الليلة، وبعد إتمام المهمّة التي كان هو وإخوانه، موكلين بها، عاد المجاهد.
عاد مبتور اليد من مستشفى ميداني متوجّها إلى بيته.
وكان شوق القلب يعصر صبرَه استعجالاً للقاء.
ولمّا وصل حسن دار البيت، استدار جانباً ليخبئ عن ناظري أمه ذراعَه المبتورة.
فجأة، أطلّت من خلف الباب أخته مريم.
كانت مريم ذابلةً الوجه شاحبة.
اقترب حسن ضاحكاً وكاشفاً لها ذراعه المبتورة.
بكت مريم.
تقدّم نحوها، غمرها وقال: "كفاكِ نحيباً. كيف سنخبر أمي؟".
خبأت عينيها بحجاب صدره ولم تجبه.
"ما بك يا مريم؟"، سألها.
ولمّا لم تجب، ابتسم وطمـأنها: "لا تخافي. لديّ ذراعٌ أخرى. أستطيع إعارتك إياها لو شئتِ".
وعلا بكاء مريم.
" أتبكين على ذراعٍ مبتورة وأخوتي قد قدّموا أرواحهم؟"،
وأكملت أخته النشيج المخنوق دون أن تهمس ببنت شفّة.
ثقيل فيضان المشاعر على قمقم اللسان.
" اعتقدتكِ أقوى من أمي يا مريم. تنحّي جانباً تنحّي. أنا سأخبرها بنفسي.
سترين. ستكون أقوى منك أيتها الضعيفة"، قالها لها، وراح إلى داخل
البيت يتقدّم.
حاولت أخته إيقافه. تفاجأ.
"أين أمي؟"، عاد وسألها.
لم تجب.
"أين أميييي؟"، سألها مرة أخرى.
"أين أمييي؟"، وأخبرى...
وأخرى...
وبعدها تيقّن.
هو الخبر الذي لا خبر بعده.
هو الخبر الأصعب على قلب كل رجل.
أمّه ماتت!
وضاقت الدنيا بعينَي حسن. وتقزّم العالم.
تهدّم السقف الذي ظلّله. والأرض التي احتوته.
وفي تلك، في تلك اللحظة بالذات، أحسّ بشوقٍ كبيرٍ لذراعه المبتورة.
ليده. لأصابعه.
لا. ليس لأن يده تلك كانت أهم إليه من أرواح إخوانه المجاهدين.
بل لأن تلك اليد بالذات، كانت اليد التي شدّتها أمه بيدها يومذاك.
يوم سحبته. يوم انتشلته.
ويوم حمته من فيالق السيارات الهائجة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق